عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
231
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
هلكت الدنيا والتحق بعضها ببعض ، كما لو خرجت روح الحيوان من جسده ، فيخرب الجسد ويلتحق بعضه ببعض ، زين اللّه هذه السماء بزينة الكواكب جميعها كما زين الروح بجميع ما حمله الهيكل الإنساني من اللطائف الظاهرة كالحواس الخمس ، ومن اللطائف الباطنة كالسبع القوى التي هي العقل والهمة والفهم والوهم والقلب والفكر والخيال ، فكما أن كواكب سماء الدنيا رجوم للشياطين ، كذلك هذه القوى إذا حكم الإنسان بصحتها انتفت عنها شياطين الخواطر ، فحفظ باطنه بهذه القوى كما حفظت بالنجوم الثواقب السماء الدنيا ، وملائكة هذه السماء أرواح بسيطة ما دامت مسبحة للّه تعالى فيها ، فإذا نزلت منها لما يأمرها الملك الموكل بإنزال ملائكة السماء الدنيا تشكلت على هيئة الأمر الذي تنزل لأجله ، فتكون روحانية ذلك الشيء الذي وكلت به ، فلا تزال تسوقه إلى المحلّ الذي أمرها اللّه تعالى به ؛ فإن كان رزقا ساقته إلى مرزوقه ، وإن كان أمرا قضائيا ساقته إلى من قدره اللّه عليه إما خيرا وإما شرا ، ثم تسبح اللّه تعالى في فلك هذه السماء ولا تنزل أبدا بعدها في أمر . جعل اللّه الملك المسمى إسماعيل حاكما على جميع أملاك هذه السماء وهو روحانية القمر ، فإذا أمر اللّه على ذلك بأمر وقضى الملك ذلك الأمر ، فإنه يجلسه على كراسي تسمى منصة الصور ، فيجلس عليه متشكلا بصورة ما نزل به من الأمر ، ولا يعود إلى بساطته أبدا ، بل يبقى على ما هو عليه من التشكل والتصوّر الجرمي الجزئي يعبد اللّه تعالى في الوجود ، لأن الأرواح إذا تشكلت بصورة من الصور لا سبيل إلى أن تنخلع تلك الصورة عن نفسها بأن تعود إلى البساطة الأصلية ، هذا ممتنع ، لكنها في قوتها أن تتصور بكل صورة على عدم مفارقتها للصورة الأصلية التي لها حكمة من اللّه تعالى ، وتلك الصورة الروحانية هي كلمات اللّه تعالى التي تقوم بالموجودات كما تقوم الروح بالجسد ، فإذا برزت من الغموض العلمي إلى الجلاء العيني تبقى قائمة بذواتها في الوجود ، فجميع أجسام العالم من المخلوقات من المعدن والنبات والحيوانات والألفاظ وغير ذلك ، لها أرواح قائمة بها على صورة ما كانت عليه أجسامه حتى إذا زال الجسم بقيت الروح مسبحة اللّه سبحانه وتعالى ، باقية بإبقاء الحق لها ، لأن الحق لم يخلق الأرواح للفناء ، وإنما خلقها للبقاء ، فالمكاشف إذا أراد كشف أمر من أمور الوجود تتجلى عليه تلك الأرواح التي هي كلمات اللّه تعالى ، فيعرفها بأعيانها وأسمائها وأوصافها ، فإن كل روح من أرواح الوجود متجلية في الملابس التي كانت أوصافها ونعوتا وأخلاقا على الجسم الذي